ابن بسام

23

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وارتقى من رئاسة الأقلام إلى سياسة الأقاليم ، واتفق لبني / طاهر بالفتنة المطغية ، رئاسة كورة مرسية ، - في خبر أضربت عنه لطوله ولأني قد أوردته في كتابي المترجم ب « سلك الجواهر من ترسيل ابن طاهر » - فكان أبو عبد الرحمن يكتب عن نفسه بهذا الأفق ، كالصاحب ابن عباد بالمشرق ، وله رسائل تشهد بفضله ، وتدلّ على نبله ، لا سيما إذا هزل فإنه يتقدم على الجماعة ، ويستولي على ميدان الصناعة . ولما خبط أبو بكر ابن عمار سمرات ملوك الأندلس بعصاه ، وتردّد ينتجعهم بمكايده ورقاه ، وإنما كان يطلب سلطانا ينثر في يديه [ 1 ] سلكه ، وملكا يخلع على عطفه ملكه ، جعل أبا عبد الرحمن ابن طاهر موقع همه [ 2 ] ووجه أمّه ؛ ولما ألقى المعتمد إلى ابن عمار بيده ، وقلّده - على ما شرحناه في أخباره - تدبير دولته وبلده ، بعثه على حرب ابن طاهر بغاء لنفسه ، وبناء على أسّه ، فأقبله وجوه الجياد ، وأخذ عليه الثغور [ 3 ] والأسداد ، حتى فتّ في عضده ، وانتزع سلطانه من يده . ولما قال عزمه وفعل ، وقام وزن أمره واعتدل ، مدّ يده وبسطها ، وكفر نعمة ابن عباد وغمطها ، وانتزى له من حينه على مرسية وقعد بها مقعد الرؤساء ، وخاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء ، مستظهرا على ذلك بجرّ الأذيال ، وإفساد قلوب الرجال ، معتقدا أنّ الرئاسة كأس يشربها ، وملاءة مجون [ 4 ] يسحبها ، فقيّض له يومئذ من عبد الرحمن ابن رشيق ، عدوّ في ثياب صديق : من رجل مدره ختر ، وجذيل خديعة ومكر ، فلم يزل يطلع عليه من الثنايا والشّعاب ، حتى أخرجه [ 5 ب ] من مرسية كالشهاب ، وأبو عبد الرحمن بن طاهر / في أثناء تلك الحال ، متردد بين النكبة والاعتقال ، فبعد لأي ما سعى له الوزير أبو بكر ابن عبد العزيز ، زعيم بلنسية - كان - في ذلك الأوان [ 5 ] ، فخلص [ 6 ] بعد أبو عبد الرحمن ، خلوص الثريا من يد الدّبران ، والتقى هو وابن عمار ببلنسية بعد ذلك ، وقد استوى الغالب والمغلوب ، وضعف الطالب والمطلوب ، وكان ابن عمار أخفش ، فقال له ابن طاهر ، وكان كثير النوادر [ 7 ] : كذا يا أبا العينا ، لا أنت ولا أنا . فصار ابن عمار مع ابن

--> [ 1 ] ب : يده . [ 2 ] ب م : موقع همته . [ 3 ] ب م : بالثغور . [ 4 ] مجون : سقطت من د ط س . [ 5 ] ط د س : زعيم بلنسية بعد ذلك وقد استوى في ذلك الأوان . [ 6 ] ب : فتخلص . [ 7 ] انظر : الحلة 2 : 119 .